سني التقاعد - القسم اﻷول/ د.علي الخالدي

مبررات التقاعد وتهياة مستلزماته 

السنين تتلاحق تاركة خلفها , النشاط والحيوية , والذوبان التدريجي لعشق العمل  , ومع تسارعها المتلاحق , بداءت  الزلوف ( بالتفضض) , وأنسحب بياضها على ما تبقي من شعر في قحفة الرأس أيضا, وبالتزامن مع ذلك ,بدأ ظهور, تجاعيد حول الفم , و في الخدود , و الرقبة بالبروز , وحتى البصر فقد حدته, وذاكرته بدأت  تعزف لحنها في وادي نسيانه . يتذكر أحداث بعيدة  وكأنها حدثت باﻷمس , وينسى ما حدث له اليوم , يستعجل اﻷمور , يسرع  بكل شيء وكأنه يتسابق مع الزمن . بدأت سطوته على السهر تنظب , فيهجع الى النوم كالطيور , ويستيقظ عند زقزقتها . زحف التغيير عليه بسرعة دون تدرج , فقلت شهوته للأشياء وساء هظمه , وبدأت آلام مجهولة , تغزو مناطق جسمه ,  إزداد تكاثرها مع إقترابه من سن التقاعد.  تَيَقَن من أن العد التنازلي لدخول مرحلة الشيخوخة قد بداء , حاول إيقافه وعرقلة  مسيرته بما يعرفه من أدوية ضده, متناسيا أنه لاعودة لما إستهلك , ولما حصل من تغيرات جوهرية في نشاطات أعضاء جسمة فيسيولوجيا  , فخلاياها  مستمرة بالضمور ,نتيجة متاعب الحياة و الأعمال اليومية . التي أدت الى تصاعد مخاوفه من أن يتحول الى عنصر استهلاكي ,كالطفيليات .

 ما زاد من تلك المخاوف أنه وجد نفسه في سرير العناية الفائقة للكبار بعد سهره, على إنقاذ حياة ثلاثة أخوة مبتسرين لم تزد, مجموع أوزانهم على ثلاث كيلوغرامات , بعد سقوطه مغميا عليه  في بواكير الصباح  , فقرر مع نفسه الى هنا ويزي بعد ( الاستقالة ) . كان ذلك قبل خمسة  سنوات ,الا ان  إدارة المستشفي اقنعته بالبقاء في القسم لحين الحصول على بديل , مع تخفيف ثقل العمل عنه جهد اﻹمكان , فرضخ لحاجة القسم , والمستشفي لخدماته , و ورضوخا لرغبة ذاتية , في زيادة مرتب التقاعد , الذي  لن تحققه خدمته القصيرة منذ 1996 على الرغم من أحتساب سني الدراسة التي أنهاءها في أواخر السبعينات , بتقاعد مريح , سيما وإن خدماته في دول الشتات لم تحسب , ومما زاد من قناعته في البقاء صاعد  هجرة الأطباء وخصوصا من ذوي الأختصاص الى دول السوق الأوروبية , لإرتفاع الرواتب هناك .

بعد ثلاث سنوات جاء الفرج الذي أيقض شعوره بالحاجة الى الراحة مجددا , فعاود طلب اﻷستقاله ,عندها  لم تفلح معه العروض المغرية ببقاءه في العناية المركزة للأطفال , لكنه قبل بعرض للعمل ست ساعات خالية من المناوبات في معهد لحديثي الولادة اﻷصحاء , أنتهت باربع ساعات في اليوم , لغاية نهاية عام 2012 , وعند صدور تعليمات عدم الجمع بين مرتب العمل والتقاعد وإختيار أحدهما ا قرر اﻷعتكاف عن العمل نهائيا , لا قيا التشجيع من إبنته وأبنه اللذين رفضهم الوطن بالرغم من لكفاءة التي يتمتعون بها فحتظنت أرقى جامعات العام أبنته لتواصل بحوثها , بينما إبنه بداء العمل في إحدى الشركات العالمية منتقلا كخبير نفط الى أن حط به الرحال بما يريح رغبة الوالدين  

إستغل الوقت الذي وفره العمل السهل في المعهد , بالتفكير عن كيفية إشغال نفسه عندما يكون حبيس

 البيت , فانصرف,  ليجرب الكتابة التي قيل له في حينها إنه يكتب كما يكتب طلبة أﻹبتدائية , لكن حماس التهيء, لظروف الحياة الجديدة (حياة الجلوس في البيت ) . قد َتَفَوق على كل المصاعب التي واجهها , وكان للعاملين في جريدة طريق الشعب , وموقع الحزب , جهودا لا يمكن نكرانها في صقل ما يملكه من إمكانية متواضعة في الكتابة .

  لقد صعدوا من عزيمته وأرشدوه الى ما كان يجهله في الكتابة بما فيها إستعمال جهاز الكمبيوتر .  لم تذهب جهودهم سدى حيث بداء يظهر ما يكتبه , في الصحف والمواقع الإلكترونية وهو لم يمارس الكتابة من قبل  .  وجد في تبادل ما يملكه من كتب مع الأصدقاء  ضالته  , بإنعاش الروح , بالقراءة  في قتل الوقت , وتمتع الروح , وإغناء الفكر فوجد نفسه كم كان مغفلا عن التقرب من منابع إغناء الفكر  بمعلومات, زادت  من حبه للحياة , وبهجتها ,  شغله عنها الركض وراء زيادة معارفه في مجال إختصاصه الذي يتطلب منه الإطلاع اليومي على ما هو  جديد من جهة والى روح التنافس العلمي مع أقرانه من مواطني الدول  التي إستضافته ليثبت جدارته العلمية على حساب أرتباطاته العائلية وراحته      

__ يتبع __