مقامات المديح العالي .. / ابو حازم التورنجي

 حدوتة الزمن الرديء ، حين يغدو المدح رخيصا مضللا ، والذم  رخيصا  بائسا

 سجنت ولم اخن

قاتلت ولم ادبر

وشردت ولم اركع

فلا تذموني بمدح باهت كالذم  *

 حين تصاهرابا سفيان مع صاحب الجلالة بريمر ، في زمن الجدب والقحط ، أقام أبا سفيان وليمة  باذخة  ، كثرت فيها الطبول والدفوف وتصاعد فيها الهرج ، وناثري البخور في ارجاء الصالات الفارهة  ،و تنادت عليها قطط بني جحش ، وكلاب بني بغل  ، والحفاة المسحوقون  في الطرقات القريبة يمسكون بقدورهم ، بانتظار ما تجود به الموائد من فائض او بالاحرى ، ما يبقى من الفضلات  .....

وشكرت الله ان ابي سفيان قد وفر على الكثير واعفاني من الحرج ، فلم يكلف  نفسه عناء دعوتي لتلك الوليمة  ، فقلت : هو ذلك شرف كبير أعتز به .

لكن صاحبي المتسرع دوما ، أستشاط متسائلا  :كيف ذا ، اتحسب ذلك شرفا ، وأنت المعادي والمشاكس المنبوذ في عرفه وحساباته . وخططه .....

فقلت : ويحك ياصاحبي ، فأبا ذر لم يملك قيمة الكفن ومات منبوذا في صحراء الربذة ، قديسا بهيا مكللا بالغار وبالمجد ،  يتحدى لؤم ورشاوي الخليفة سليل بني سفيان ، ولم يقف على ابواب الحكام ،بل كان الحكام ينشدون رضاه ... وبقي أبا ذر اماما وبوصلة ومنارا للمنطوعين على الطرقات .

 ويظل قرع  الطبول المدوي يصم الأذان  ، وتهريج صغار القوم يبعث في النفوس الابية شيء من الغثيان  ، بل في صدري غصة من كبار، كنا نظنهم كبار ، وفي صحوة الزمن المر وجدناهم صغارا يغرقون في أقداح الشاي ،

وفي حلقي مرارة من صغار بقوا صغارا ، لايجيدون الا مدح من رسموهم في مخيلتهم كبارا ، وما هم  كبار ، بل مجرد افيال هرمة لم تسرح من الخدمة  ، فبين الاحساس بالضألة والدونية لدى نفوس خربة  مهزومة  ، والاحساس بالزهو وحب الاطراء والمديح المقزز، لمن يظنوون انفسهم كبار ، ثمة حبل سري متأصل في رحم التشويهات الاجتماعية وفقدان التوازن النفسي  ، وهذا ما سعى اليه ابا سفيان وبريمر ......

فهل يصحوا ( الصغار )بأن المديح والاطراء مجرد زعيق مشوه ، لايشبه حتى صياح الديك في القرية عند الصبح  ؟

 وهل يتعض ( الكبار )  بأن المديح والتأليه ومنح الالقاب على عجل ، لمن لايستحقها ، مجرد سخريه بلهاء ،تقارب عبث الحمقى وتشبهه  ؟ وهل شفعت الالقاب الكبيرة التي قاربت الاسماء الحسنى ، للقادة الطواويس ، من ان لا يقعوا،  وبذلك السقوط المدوي  ...... وسلاما لأمريء عرف قدر نفسه  .

 

* اوراق من دفتر فلسطيني  ( يعقوب زيادين )