
هل ماتت الامم المتحدة؟ / عبد المنعم الاعسم
احصى معهد غربي قبل فترة ما يزيد على مائة وستين مشكلة تعصف بالشرق الاوسط والدول الاعضاء في الامم المتحدة مما تدخل معالجتها في مسؤولية المنظمة الدولية، لكنها تقف عاجزة عن تقديم اية مساعدة لتلك الاقاليم والدول، إما لأنها لا تملك اموالا كافية، او ان احدا لم يطلب منها التدخل، او ان اطراف الازمات لا يسمعون ما تقوله الامم المتحدة ويفضلون تدخل اعضاء اكثر هيبة وتأثيرا و"فلوسا".
والحق انه لم يسبق للامم المتحدة، منذ امينها العام الاول النرويجي تريغف هالفان لي(1946) ان وقفت متفرجة على ما يحدث في العالم من كوارث وانشقاقات وحروب واعتداءات كما هي الان في عهد الكوري الطيب بان كي مون الذي لا يتحمل، طبعا، وزر هذا المآل المؤسف للمرجعية الدولية، واغلب الظن، لا يتحمله اي امين عام سابق على تفاوت الجهود والطاقات والمحاولات التي بذلها اولئك الرجال الذين تتالوا على منصب قيادة المجتمع الدولي. واللافت ان حماسة زعماء العالم لاستخدام منبر الامم المتحدة تراجع في غضون السنوات الاخيرة خلاف ما كان في السابق حيث اضطر مندوبو الدول الأعضاء في سبتمبر من عام 1968 الجلوس على مقاعدهم أربع ساعات للاستماع الى خطيب واحد سمح له بالاستطراد كل هذا الوقت وسط ذهول مسؤولي الجلسة الذين لم يستطيعوا التدخل، وكان الخطيب فيدل كاسترو لا يمثل في الواقع بلداً مؤثراً على خارطة العالم وليس له ثقل عسكري أو اقتصادي ذو قيمة استراتيجية، غير انه في عام 1995، وفي الشهر نفسه، لم يسمح لكاسترو الا بسبع دقائق ليلقي خطابا لم يلفت نظر أحد، وتلاشى صوته الجهوري في قاعة خلت مقاعدها من كثير من المندوبين، وكان نفسه غير آسف على ذلك. وفي الذكرى الخمسين لميلاد الأمم المتحدة عام 1995 تأمل كثيرون في الدور الذي يمكن ان تلعبه في اطفاء بؤر التوتر وتجسير الخيارات المتضاربة بين الدول واشاعة اجواء الثقة والبحث الموضوعي لتكوين ارادة السلم والاستقرار، وتوسيع الفرص أمام الدول الصغيرة لتساهم في صناعة القرارات المصيرية للعالم. غير ان قليلا من المتنبئين توقعوا ان الامم المتحدة سينتهي بها المطاف الى ما هي عليه الان، وكان الامين العام السابق كوفي عنان كثيرا ما يقف حائرا أمام استعصاء الحل للتوترات الناشئة، وكان يوحي لبعض مندوبي الدول التي تطلب النجدة من الامم المتحدة قائلا: "لقد مضى ذلك الزمان" وكأنه كان يحنّ الى تلك الأيام الغابرة للمنظمة الدولية، حيث كان كاسترو يتحدث لساعات طويلة من دون مقاطعة وان يقذف خروتشوف بحذائه الى الصالة من دون عقاب.
*******
" لا يمكنك الارتحال في طريق إلا حين تصبح أنت الطريق".
بوذا