
البطيخ صورة ناصعة.../ سعدون طارش الحمراني
ثمة مشكلة يعاني منها الكاتب حين يروم الكتابة عن شخصية وطنية مرشحة لعضوية مجلس النواب، أو لأي منصب رسمي رفيع. وسيكون الأمر أكثر تعقيداً وإشكالاً حين يقترب موسم الإنتخابات، وتحتد المنافسة، فتتشابك المواقف، وتتداخل المصالح، وتصطخب الساحة بالأصوات العالية، وكل من فيها يبحث عن ليلاه فيحاول جاهداً إعلاء كفة هذا المرشح على حساب كفة ذاك، حتى يصل الأمر ببعض المتنافسين الى حد المساهمة شخصياً في الحملات التسقيطية لغريمه المرشح، أو لخصمه السياسي.
مما يضع الكاتب -أي كاتب وطني - في دائرة الشك من هذا أو من ذاك، فيفضل بعض الكتاب الصمت أو الكتابة بأسماء مستعارة تجنباً للحرج، أو الشك.. وهذ أمر غير حسن في الحالتين، لأن على الكاتب الوطني الشريف مسؤولية وطنية ومهنية واخلاقية، وما عليه إلاَّ أن يقول كلمة الحق مهما كان ثمنها باهضاً. لكن ومن حسن الحظ فإن هناك بعض الشخصيات الوطنية النبيلة والأصيلة من أصحاب السجل المهني والأخلاقي النظيف، ومن ذوي الوزن العالي في الشارع العراقي، تعينك بوطنيتها ومهنيتها، وتساعدك، بل وتجبرك بما لها من رصيد محترم في الشارع على الكتابة والإشادة بها، بل والمديح إن تطلب الأمر أيضاً. ومن بين هذه الشخصيات المحترمة يأتي إسم النائب والفلاح والإنسان جمال البطيخ .. فهذا الرجل ويشهد الله إني لا أعرفه شخصياً، ولم ألتق به طول عمري. ولم أستفد منه، أو يستفيد هو مني، لكني عرفته بعد أن لفت نظري بدفاعه العالي عن الأرض وزرَّاع الأرض طوال الأعوام النيابية الماضية فرحت أتابع سجله الوطني لأجده يستحق الإشادة، ويستحق الدعم والتأييد، فأشدت به.
إن أكثر ما أعجبني بهذا الرجل أنه زاوج بين الرسالة السياسية والبرلمانية التي تكفل بها بأمانة، وبين القيم العشائرية النبيلة التي حملها وأخلص لها فبقي (وهو النائب في دورتين نيابيتين والوزيرالسابق) على حاله الذي عرف به من قبل ولم يتغير قط..إذ ظل محافظاً على أصالته العربية والقيمية، ولم تبدله المناصب أو تلوثه السياسة. كما لم تبعده الشهرة والجاه عن ناسه البسطاء، لاسيما وأن الجاه لم يأت اليه بعد أن أصبح نائباً، إنما كان الرجل وجيهاً محترماً منذ أن عُرِف، فتناقل الطيبون مواقفه الكريمة من مضيف الى مضيف، ومن قرية الى قرية، ومن بيت الى بيت. لذا فإن الجاه سعى اليه ولم يسع هو له، خاصة وإن جمال البطيخ شيخ عشيرة كريم، وكبير قومه المهاب والمطاع. لذلك ظل كريماً وشهماً وطيباً وبسيطاً مع الجميع حتى بعد أن أصبح نائباً ووزيراً. إذ لم يرفع أرنبة انفه يوماً على أحد، ولم يتأخر لحظة واحدة في أداء الواجب تجاه ناسه، وأهله وأبناء جلدته وعشيرته، ولكل الذين يبغون مساعدته.. وفي نفس الوقت فإنه لم يتنازل عن مواقفه الوطنية ومبادئه السياسية، ومعتقداته الفكرية العالية. ومثلما لم يستبدل البطيخ قيمه العشائرية النبيلة، وزيه العربي، وعقاله الكوتاوي المميز، فإنه لم يستبدل أيضاً صفاته الوطنية، ومواقفه السياسية بأخرى هجينة، إذ بقي محافظاً على نظافة يده السياسية، ونزاهته النيابية، وعلو قامته الوطنية، في الوقت الذي تساقط فيه الكثير من السياسيين العراقيين، وإتسخت، وتلوثت أيادي الكثير من النواب للأسف الشديد.
واليوم وأنا أجرد أنشطة هذا الرجل النيابية طوال وجوده النيابي، فقد وجدته مصراً على الدفاع عن المزارعين والفلاحين، ومدافعاً عن حقوقهم، ليس في مجلس النواب فحسب، إنما في رسائله ومناشداته ولقاءاته مع دولة رئيس الوزراء، والوزراء المختصين أيضاً، كما وجدته مصراً ومتشبثاً بالدفاع عن الشباب، والمطالبة بإستحقاقاتهم الكثيرة. ولعل الأمر الذي أردت ذكره في ختام مقالي الإنصافي لهذا الرجل، إني وجدت للأسف (عصابات الجشع) وأصحاب شيكات المال السياسي الحرام، وبعض الأقلام الجائعة، تريد الإساءة لهذا الرجل القمة في الأخلاق والوطنية، والمواقف الإنسانية، لكني ضحكت على كل هؤلاء، لأني واثق من أن العراقيين اليوم يفرقون الغث عن السمين .. وباتوا يستطيعون بوعي تام من التمييز بين الطين الحرِّي الأصيل، والطين خاوة.. والبطيخ هو إبن هذا الطين العراقي الحر..