سلطة الشرعیة الثوریة... ../ آسو گرمیاني

یبدو ما جری لیلة السادس من هذا الشهر، حین مثل محمود سنگاوي- القیادي في الحزب الحاکم- أمام قاضي التحقیق علی خلفیة اغتیال الصحفي کاوا گرمیاني، وکأنه حدث مفصلي في العلاقة مابین (السلطات) في اقلیم کوردستان. فخلال العقدین الماضیین من تجربة نظام سیاسي تدعي برامج تشکیلاته الحکومیه المتعاقبة، التي یحتکر سلطاتها الاتحاد الوطني والحزب الدیمقراطي (وفق اتفاقیة تقاسم السلطة والموارد المالیة الموسومة بالاستراتیجیة بینهما) وبمشارکة شکلیة من اتباعهما، تمسکها بالدیمقراطیته واحترام حقوق الانسان، لم یکن للقضاء المساس بالسلطة الحقیقیة في الاقلیم وهي سلطة المراکز الحزبیة المتنفذة وحواشیها -الدائرة الحاکمة-، التي وفرت لنفسها وما تزال حصانة  شرعیة - سنوات النضال المسلح - الثوریة، التي تفتقر الی اي سند دستوري وقانوني أو دعم شعبي، لحمایتها من المساءلات القانونیة وضعتها فوق السلطات الرسمیة الثلاثة الاخری.

بالرغم من اهمیة هذا الحدث في دلالاته الرمزیة، حیث اذهل القضاء في الاقليم الجمیع بتسجیل سابقة، هي الأولى من نوعها منذ اعلان الاقليم قبل نحو ٢٢ عام، باحضار احد افراد الدائرة الحاکمة فوق القانونیة امام قاضي التحقیق کمتهم، وهو ما رحبت به اوساط واسعة وفي مقدمتهم انصار الدیمقراطیة وحقوق الانسان في اقلیم کوردستان، لکنه من السابق لأوانه الآن استنتاج ما یمکن توظیفه لصالح نمو العلاقات السلیمة (الفصل) بین السلطات وکأن هذا الحدث فاتح لعهد جدید، أو لصالح قضیة المغدور به الشهید کاوا.       

فقرار القاضي، الخاص باحضار المتهم، کما المتهمین الآخرین بتنفیذ الجریمة، لم یصدر الا بعد موافقة حزب المتهم (الاتحاد الوطني- الحاکم المطلق مناصفة مع شریکه الحزب الدیمقراطي علی صعید الأقلیم، والوحید في منطقة سیطرته محافظة السلیمانیة وگرمیان)، بدلیل صدور قرار القاضي بعد مرور عام علی تقدیم المجني علیه دعوی ضد المتهم بناءا علی تهدیدات تلقاه منه هاتفیا (افلح في تسجیلها وبثها لاحقا في مواقع التواصل الاجتماعي)*، والاهم من ذلك لم یجری فتح الملف هذا الا بعد تنفیذ الجریمة بحق صاحب الدعوی لیلة الخامس من ك١ المنصرم بأسبوع! ومن قبل قاضي آخر لعدم تجرأ القاضي الأصلي والمعني بالقضیة من فتح هذا الملف المکدس امامه منذ عام. 

وموافقة حزب المتهم هذە، سواء علی اصدار القاضي لذلك القرار أو مثول احد (المحصنین ثوریا) امام الأخیر، قد جاء اضطرارا بسبب الضغوط الکبیرة التي یتعرض لها هذا الحزب حالیا. فالجریمة وقعت في وقت یمر فیه الاتحاد الوطني بأصعب ایامه في السلطة منذ اعلان الاقلیم، حیث تعرض في انتخابات ٢١ ایلول الماضي الپرلمانیة الی هزیمة تفرض علیه بموجبها الاستحقاقات الانتخابیة (ناهیك عن الدیمقراطیة) رفع الید عن مفاصل السلطة في مناطق سیطرته، من الأجهزة الاداریة والعسکریة والامنیة والمصادر المالیة المستورة والسیطرة علی السوق، التي یحتکرها کحاکم مطلق بشکل مخالف لشروط الدیمقراطیة ولأعلانات الأقلیم رسمیا، بنفس الصورة التي یفعلها حلیفه الحزب الدیمقراطي في المناطق التي یسیطر علیها (محافظتي هولێر ودهوك). لهذا یجد نفسه الآن في وضع صعب جدا في المفاوضات الجاریة لتشکیل الحکومة الذي تأخر لأکثر من ثلاثة أشهر!

کما ان الطریقة الشنیعة التي تمت بموجبها اغتیال الصحفي کاوا (حیث عاش یتیما لاب شهید للحرکة الکوردیة، وتزوج من السیدة شیرین وهي ایضا یتیمة لعائلة مؤنفلة، لیولد لهما قبل ایام طفلا یتیما!) قد فجر االغضب المتراکم لدی اوساط واسعة في کوردستان من تصاعد وتیرة التجاوزات التي یتعرض لها ملف الحریات وحقوق الانسان في الاقلیم، التي تحولت في السنوات الاخیرة من استخدام اسالیب الضغط المادي وشن المضایقات والتقدیم الی المحاکم (المستقلة جدا) الی اسلوب الاغتیال المباشر، وخاصة للصحفیین الذین یتعرضون لشؤن النهب والفساد والاغتناء الفاحش وخاصة للمراکز الحزبیة (المحصنة ثوریا)، في وقت تعاني فیه مناطق واسعة من الاقلیم، وخاصة في الاطراف من سوء الخدمات والاحوال المعیشیة. 

أما فیما یخص قضیة المجني علیه الصحفي کاوا، فلو اهملنا القضایا الشکلیة (علی اهیمیتها)، وابرزها التساؤلات التي اثارتها قیام القاضي باستجواب المتهم في یوم عطلة رسمیة (٦ك٢) وخارج ساعات الدوام الرسمي حیث تم في الساعة الثامنة لیلا!، فأن ابرز اشکالیة تواجهها (محاکمة العصر في کوردستان ان تمت) هو کیفیة ترتیب الملف الذي من المنتظر ان یفصل القاضي في القضیة وفقه. فمن المعروف ان مثل هذا الملف یتم اعداده وفقا لیس لشهادات المدعین والمدعی علیهم فقط، وانما ایضا وفق نتائج التحقیق في هذە الادعاءات، التي ستقوم به الاجهزة القضائیة والامنیة، وهي مازالت بعیدة عن الاستقلالیة في الاقلیم.

ولنا في قضیة أغتیال سردشت عثمان مثالا صارخا علی المهارة في ترتیب الملفات. فقد تم قبل سنوات اختطاف هذا الطالب، بعد نشر کتابات نقدیة له ضد الدائرة الحاکمة، في منتصف النهار وامام مرای الجمیع اثناء الدوام وسط الجامعة في العاصمة أربیل، التي تفرض أجهزتها الأمنیة (التي یحکم الحزب الدیمقراطي السیطرة المطلقة علیها) طوقا امنیا مشددا علیها، ومرورا بنقاط حراسة الجامعة والسیطرات الامنیة للمدینة، لیتم العثور علیه بعد ایام في اطراف مدینة الموصل مقتولا رمیا بالرصاص في رأسه ولسانه في رسالة واضحة القراءة لمن یتجرأ علی مس الدائرة الحاکمة (المحصنة ثوریا). ورغم ذلك، فقد تم اعداد ملف التحقیق من قبل لجنة حکومیة مکلفة مکونة من:

- وزیر الداخلیة، وهو عضو مکتب سیاسي في الحزب الحاکم؛

- رئیس وکالة المخابرات، وهو ایضا عضو مکتب سیاسي في الحزب الحاکم؛

- محافظ العاصمة، وهو ایضا عضو مکتب سیاسي في الحزب الحاکم!

فکانت النتیجة حسم الملف وفق (اعترافات) تم عرضها علی شاشات التلفاز، علی لسان شخص یتکلم العربیة یقول فیها بانتماءه لاحدی التنظیمات الارهابیة، وان سردشت عثمان کان علی صلة بها، لکن بسبب رفضه تنفیذ المهام التي کلفته المنظمة الارهابیة بها، فقد قررت معاقبته بهده الطریقة.

ان مثل هذه المخاوف في ترتیب الملفات تساور المتابعین لقضیة الشهید کاوا، وتثیرها اکثر سلوك الأجهزة المعنیة بعد وقوع الجریمة وانفجار الغضب الجماهیري وخاصة في مدینته کلار وفعالیات منظمات المجتمع المدني. فقد قامت القوات الامنیة بعد ایام من وقوع الجریمة بأعتقال اربعة مواطنین اعقبها تصریح نائب رئیس الوزراء - وهو عضو مکتب سیاسي في حزب المتهم - اعلن فیه العثور علی الفاعلین وان اعتقالهم قد تم بعد اخذ موافقة المکتب السیاسي للأتحاد الوطني علی ذلك!. تم الافراج عن بعض هؤلاء لاحقا بعد ان أعلن مدير عام جهاز الأمن في اقليم كردستان عن اعتراف أحد المتهمين امام قاضي محكمة كرميان بارتكابه جريمة قتل الصحفي كاوة. وقد ادعی هذا المتهم وفق المعلومات التي تسربت الی الصحافة، بأنه قام بفعلته هذه بتصرف شخصي محظ! ولم یستلم أیة توجیهات من احد. لکن نتائج الفحوصات التي جرت علی السلاح الذي ادعی هذا المتهم استخدامه في تنفیذ الجریمة تشیر الی عدم تطابقه مع الرصاصات التي استخدمت لیلة وقوع الجریمة. علما ان جمیع من شملتهم التحقیقات حتی الآن ینتمون الی الأجهزة الامنیة. وحتی هذه اللحظة لم تتوفر معلومات من اروقة المحکمة عن العثور علی المنفذين الحقیقیین للجریمة ولا عن الجهة التي تقف وراءها.

لقد تعرض شعبنا الکوردستاني بکورده وترکمانه وکلدانه وآشورییه وعربه خلال العقود الماضیة، الی حملات ابادة جماعیة، وقدم تضحیات کبیرة في نضاله القاسي من أجل نیل حریته واقامة النظام السیاسي الذي یعبر عن ارادته. وقد ساهمت جمیع فصائل شعبنا السیاسیة التي شکلت الجبهة الکوردستانیة، ولیس فقط الحزبان الحاکمان حالیا، في ذلك النضال والثورات التي کان الکادحون والفقراء والمحرومون وسکان الأطراف هم اوسع الفئات مشارکة فیها، لیس من اجل اقامة نظام سیاسي علی أساس نموذج الحزب القائد واحتکار السلطة والاستئثار بها بقوة الأجهزة الأمنیة، التي من اجلها تم ارتکاب المحرمات من اقتتال الأخوة والتعاون مع أعداء حقوق شعبنا من القوی الاقلیمیة، وتقسیم الأقلیم الی ادارتین قائمتین حتی الآن، ولا یتردد في مصادرة الحریات وقمع المعارضین واطلاق الرصاص علی المتضاهرین، ویعمق الهوة بین فئات اجتماعیة غنیة جدا یفرخها النظام من نهب اموال الشعب والفساد، بل ناضل الجمیع من اجل اقامة نظام سیاسي دیمقراطي، علی اساس مبدأ الفصل بین السلطات، الجمیع فیه سواسیة أمام القانون، یحترم حقوق الانسان ویسعی من اجل تحقیق العدالة الأجتماعیة اساسها ضمان حیاة کریمة لجماهیر الکادحین والفقراء والمحرومین، وهي من نواة برنامج الجبهة الکوردستانیة وجمیع احزابها حتی الآن.         

----------------------------------

* ادناه نص التهدیدات التي تلقاها الصحفي تلقاها الصحفي کاوا گرمیاني من المتهم هاتفیا، مترجم الی العربیة: 

محمود سنگاوي: أنا محمود سنگاوي، هل مجلة (گەران) تعود لکم؟

کاوە گرمیاني: نعم

محمود: من نشر صورتي تلك في تلك المجلة؟

کاوە: هذە عندي

محمود: هل استأذنت مني قبل نشر صورتي؟

کاوە: الموضوع هو عنك

محمود: (…) زوجة الذي، سآتي الآن الی گرمیان. اذا اصدرت المجلة غدا سوف اضع رأسك في قبر ابوك، ابن الکلب، سرسري، ابن العاهرة، بأي حق تنشر صورتي. هل انت عدیم الادب بهذا الشکل؟ او لیس من المفروض أن تأخذ الرخصة مني؟

کاوە: الأخ محمود، لیس من اللائق ان تستخدم هذە اللغة والقذف معي. 

محمود: الآن سآتي الی گرمیان وسأضع رأسك في (…) أمك یا ابن الکلب. سأضع رأسك في (…) أم الذي قال لك ان تفعل ذلك.   

کاوە: لیس من اللائق یا أخ محمود ان تجیبني بهذا الشکل.