
البلدان التي لاعقل لها / علي بداي
يصيبني بالخجل والإحباط أكثر من أي شيء آخر سماع مصطلح شعبي يشيع تداوله في الدول الأوربية المتقدمة لوصف بعض البلدان هو " البلدان الحمقى، أو التي لاعقل لها " . وهي صيغة وصفية خُلقت بعد حرب العراق وإيران مشابهة للمصطلح الأكثر رسمية "البلدان الفاشلة " والذي شاع إستخدامه أخيراً لوصف مجموعة من الدول غير المستقرة المغلوب على أمرها، والمنشغلة بصراعات وحروب عرقية ومذهبية لها إمتداداتها التأريخية التي تبررها، وغير القادرة بسبب ذلك على بناء مؤسسات الدولة الموحدة كأفغانستان والصومال ودول القبائل الأفريقية التي تتبادل التصفيات العرقية بين حين وآخر. لكن مصطلح " البلدان التي لا عقل لها" هو في الحقيقة وصف أكثر قسوة وإيلاماً من مصطلح "البلدان الفاشلة " فهو لايشمل الدول الممزقة بسبب من قلة مواردها وضعف تطورها الاقتصادي وفقر موروثها الحضاري حيث أن هذا الفقر يبرر لها تخلفها وفشلها ، فيختص المصطلح بالبلدان الغنية التي على الرغم من غنى مواردها وموروثها الحضاري لاتنفك تشغل نفسها بحروب وصراعات جانبية وثانوية وفي أحيان كثيرة مضحكة لا مبرر عملي لها فلا تتمكن بسبب من ذلك من إستغلال تلك الموارد التي تفيض بكثير عن حاجاتها ، بل على العكس، فهي تصنع تخلفها بنفسها عبر فعل منظم لتدمير الذات .هنا يقفز إسم العراق ليحتل المركز الأول على رأس قائمة هذه الدول.
فمن الجانب النظري تتوفر في العراق كبلد ، كل عوامل بناء الدولة المتقدمة أو على الأقل غير المتخلفة، لكن المرء لايمكنه عند تصفح أوراق التأريخ الحديث لهذه البلاد سوى طويه على عجل إحساساً بالخجل المختلط بالحيرة ، وبذلك لايمكن لأي أحد التملص أمام المنطق الأوربي المتسائل: ما العائق عن تقدم هذا البلد إن لم يكن الحمق ؟
لقد كان العائق الأساس المتفق عليه طيلة عقود العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات الذي وحد الواعين من العراقيين هو الإستعمار فتركزت الجهود ( من منطلقات مختلفة ) بهدف إزالته على أمل إنتقال مقاليد الأمور الى أيدي أبناء البلاد الذين سيشرعون بعدها بالسير الحر بالبلاد على طريق التنمية والتقدم . لكن الأيام التي أعقبت رحيل البريطانيين قد بينت ان بعض أهل البلاد هم أكثر شراهة و دموية من المستعمر الأجنبي " غير المسلم" بما لايقاس ، وأن وعي المتبقي من أهالي البلاد ( وهم الغالبية) على درجة عالية للغاية من الهشاشة والضحالة، وأن إستعدادهم لتغيير ولاءاتهم والتصفيق للمنتصر صاحب القوة والسلطة لايضاهى. فإذا كانت سرقات الإستعمار تجلت بإحتكار التصرف بموارد البلاد المصحوب بالتنمية وتطوير القوى المنتجة الذي لابد منه وإن كان تطويراً محدوداً ،فإن سرقات أبناء البلد لبلدهم قد فاقت تصورات أكثر المتخيلين قدرة على التخيل ، وتنكيلهم بالمختلفين معهم من مواطنيهم بلغ مديات لم يكن الإستعمار ليجرؤ على بلوغها..وهكذا كان، فبعد تصفية الإستعمار الكلاسيكي نزل الى الساحة ملثم عملاق بأسمين مستعارين مرة كان القومية العربية والثانية الدين ليعيث بالمجتمع فساداً لم يجاره فساداً آخر.
تاه العراقيون أربعين سنة في دهاليز القومية العربية محروسين بوهم "الرسالة الخالدة" ليخوضوا "معركة العرب المصيرية" ثم ليجدوا أنفسهم بعدها قد خسروا من المال والبشر مايكفي لبناء بلداناً كاملة من الصفر دون أن يحققوا شيئاً . وكما لو أن العراقيين قد فقدوا كل شيء فلم يكن الاقتصاد فقط هو وحده الذي تحطم ولم يكن التماسك الإجتماعي فقط الذي تهتك بل أن الإنسان قد فقد القدرة على التفكير السليم فتراجع وعيه الاجتماعي والحقوقي الى مستويات مريعة تذكر بالوعي الذي إنحط خلال ما يسمى بالفترة المظلمة .
وبدلاً من الوقوف على الأسباب الواقعية التي أدت بهم الى الإستسلام للشعارات والهتاف لقتلة وبلطجية معروفين ، راح العراقيون يلتمسون الحل في الغيب والأدعية والتعاويذ التي كان أباؤهم يضحكون منها قبل خمسين سنة وأتوا بهياكل وجماعات "مستدينة" نفعية غير قادرة على قيادة أنفسها ليسلمونها مقاليد بلادهم التي تعج بالمشاكل والتي كانت تحتاج الى قدرات قيادية إستثنائية لإنتشالها من الهاوية التي سقطت بها ،وبدا وكأن البلاد قد دخلت متاهة أعتم وأكثر خطورة هي متاهة الدين والطوائف وتفسير التأريخ والأخذ بثارات مذهبية مضى عليها أكثر من الف وأربعمئة من السنين.
إن أي عقل سليم لا يسعه سوى ربط فكرة حكم الأحزاب الطائفية بتقسيم البلاد وزيادة حدة مشاكلها. هذه هي بديهيات الأمور، فعندما يختار الشيعة قادة البلاد من بين أحزاب طائفية لا بد أن يعوا أن ذلك سيدفع السنة لإختراع أحزابهم الطائفية السنية أيضاً وبالعكس ،ولايمكن بعد ذلك سوى أن تتجه سياسة الدولة كلها بإتجاهين طائفيين، فتفرض مثلاً الأحزاب الطائفية الشيعية أسماء تأريخية شيعية للشوارع والمدارس و الأحياء والمستشفيات والمرافق المدنية الأمر الذي يؤدي لأن تسمي المناطق السنية شوارعها ومدارسها بأسماء قادة سنة..وهنا يتسائل العقل السليم : أليس هذا بحد ذاته إنقساماً مجتمعياً متوقعاً؟ هل صعب على الناخبين تقدير ذلك؟
فالبديهي أن أي كيان سياسي لايوصف على أنه طائفي إن لم تكن فلسفته ومنطلقاته وسياسته مبنية كلها على أساس طائفي إنعزالي لاوطني لأن الطائفة لدى الحزب الطائفي هي بديل الوطن مثلما أن النزعة القومية في قيادة بلد هي بديل نزعة دولة المواطنة فكيف يرضى مواطن في القرن الواحد والعشرين بإختصار وطنه المستند الى تراث الآف السنين من التراكم الحضاري الى طائفة إن لم يكن قد وصل حداً من ضحالة الوعي يجعله مستحقاً صفة مواطن من مواطني " البلدان عديمة العقل" ؟