
اﻹسلام السياسي وراء ..-2 / د. علي الخالدي
من أهم الملفات التي واجهت حكومات ما بعد سقوط اﻷنظمة الشمولية بالعامل الداخلي أو الخارجي ، هي موروثات اﻷنظمة الشمولية ، التي تطلب معالجتها تطبيق العدالة اﻷنتقالية ، و التنمية أﻹقتصادية والبشرية ، وخلق فرص عمل بعد تأهيل وإعادة الحياة للمشاريع التي توقفت ، وبدعم القوة الشرائية للمواطنين ، و وضع لبنات أولية للضرائب على الموارد الشخصية ، وعدم اﻷرتهان للدين من الخارج ، والتصدي بحزم لمن يتهرب من إعلان ذممه المالية ، وتقليص رواتب ونثريات المسؤولين . كل هذه اﻷمور تعهد اﻷسلام السياسي للشعب بمعالجتها ، بما يضمن مصالحه ومصالح شرائحه الفقيرة ، لكنه حاد عن تعهداته عندما تأكد له أن معايير سلطة اﻷنظمة الشمولية قد كنست بدون رجعة ، فبدأ العزف على وتر المذهبية والطائفية ، وإختزل المواطن بهما ، وربط أﻹثنين معا بمصالحه الحزبية والخاصة ، معطياً لنفسه حقوق المحافظة على تصعيد نشاطاته ، الغير متعارف عليها والمرفوضة من قبل أنسجة المجتمع ، لكونها موجهة لتثبيت نهجه السلطوي على عموم شرائحه . إن أول ما لجأ اليه هو الغاء قوانين اﻷحوال الشخصية , و القوانين التي تتعلق بالحريات اﻷجتماعية في تونس ومصر وليبيا ، ( ومؤخرا في العراق بطرح قانون اﻷحوال الشخصية الجعفري ) ، وإحلال محلها قوانين تسن على مقاسات أفكارها المناهضة للحداثة ، ترمي ﻷسلمة المجتمات وإبراز ذكوريتها ، و وضع معوقات أمام ممارسة المرأة لحقوقها وعرقلة مساهمتها في عملية بناء وتعمير البلد ، تطبيقا لتعاليم شرعية من بنات أفكاره ( اﻹسلام السياسي ) ، غير موحدة التطبيق ﻷختلاف المذاهب التي تدين بها اﻷحزاب اﻷسلامية الحاكمة ، باعتبار كل واحد منهم يدعي وراثة الحق في إهداء الناس للخير والعطاء ، والفداء في سبيل الله ، على طريقته ، وبأن كل واحد منهم أشد حرصا من الآخر ، على تطبيق قيم الدين على اﻷرض ، وأما بقية اﻷديان فهم قلة من الكفرة ، يتحملوا مسؤولية تنظيف اﻷرض منهم ، فإستغلوا وسائل اﻹعلام وأماكن العبادة لنشر تلك المفاهيم واﻷفكار، التي أنطلت على البسطاء من الناس ، لمعرفتهم المسبقة بكونهم أوساط سهلة تجاه دغدغة العواطف الدينية ، و بكونها مواقع هشة اﻷستسلام لمقولاتهم المبنية على منطلقات روحية من وحي أفكارهم الخاوية الوفاض
بعد أن استفاقت شعوب بلدان التغيير من مخدر تلك المفاهيم ، حدث التقاطع بين اﻷحزاب فيما بينها من جهة ، وبين الشعب من جهة أخرى ، إنعكست على أداءها و مواقفها تجاه الوضع السياسي واﻷمني واﻷقتصادي ، تم تسوية تلك التقاطعات فيما بينهم بما يجمع ألتوافق على تسخير مقدرات وثروات البلد لمصالحهم الحزبية ، و بدلا من مكافحتهم الفقر ، ساعدوا المقربين منهم ومن تملق اليهم على القفز من صفوف الطبقة الفقيرة و الوسطى الى صفوف الرأسمالية ، فتوسعت رقعة الفقر أكثر ، بالتحايل على إبقاء الفوارق العالية بين اﻷجور والرواتب لموظفي الدوائر الدنيا والعليا ، مع التمادي في أحقية وضع الشخص غير المناسب في المكان المناسب ، حتى وإن لم تكن لديه دراية وكفاءة إدارية ، سوى إنتمائه العقائدي .
لم تلتفت اﻷحزاب اﻷسلامية لنصائح الحريصين على اﻷوطان ، بمخاطر سياسة التهميش واﻷقصاء لقوى لعبت دورا بارزا في مقارعة اﻷنظمة الشمولية فحسب وإنما تفرجوا على مأدى اليه نهجهم من تردي اﻷوضاع المعاشية للناس ، والى أرتفاع نسبة التضخم والبطالة ، وإذا ما أضيف غياب نية إعادة تأهيل مئات المنشاءات الصناعية ، وعدم اﻷهتمام بالزراعة ، ومعالجة شحة المياه ، و فتح اﻷسواق أمام إنتاج الغير الزراعي ، الذي أدى الى تضييق مصادر رزق سكنة الريف ، فلم يجدوا أمامهم سوى الهجرة من الريف الى المدينة بحثا عن رزق جديد . كل ذلك كان وراء تعثر خطط التنمية اﻷقتصادية والبشرية .
ومع إنتشار الفساد والرشوة والمحسوبية وشراء الذمم في اﻷجهزة اﻹدارية ، وعدم تواجد الجدية في ملاحقة سارقي ثروة البلاد ، ومن فَرَضَ الأتاوات على التعاقدات ، وهرب العملة للخارج ، باﻹضافة لتساهل المعنيين تجاه من لا يفصح عن ممتلكاته قبل أستلام المنصب وبعده . تكونت العوامل المشجعة لتصاعد سرقة المال العام ، من قبل بعض من تسلق سلم التدين وإحتل موقع قرار في السلطة ،قامت
اﻷحزاب اﻷسلامية على صعيد العلاقات الخارجية ببناء علاقات أممية مع الدول التي يتماهى مذهبها مع بعض قائمة على الدعم المادي واللوجستي بينهما . أما على الصعيد الداخلي فطبقت سياسة قائمة على إنتزاع اﻷنسان من الظروف المادية والتاريخية ، بعملية غسل أدمغة البسطاء من الناس لتتقبل النصح اﻷخلاقي والوعود الوهمية في الحياة الآخروية ، زارعتاً فيها اﻷحساس بالتوحد والخوف من العواقب اﻷخروية المزعومة في حالة الحود عن السير براكبهم , فخلخلوا ثقافته اﻷجتماعية ، التي شكلت وجدانه وقيم تكوينه الفكري والنفسي ، التي وقفت وراء تقوية حرصه على التعايش بانسجام مع السلم المجتمعي ،
إن عملية التصدي لما ورد أعلاه ، يتم عبر المشاركة الجدية لكل القوى الحريصة على مستقبل بلدانها في إنقاض شعوبها من سيطرة المهووسين بالحكم ، بنشر ثقافة وطنية عامة ، تنمي اﻷحساس باﻷنتماء الوطني ، وترفع من شحذ الهمم في المشاركة في اﻷنتخابات القادمة في العراق وإختيار ذي اليد البيضاء ، وفي تونس ومصر فشعوبها مدعوة بعد أسترجاع ما سلبه منها اﻷخوان ، الى دعم جهود بناء الشراكة الوطنية الحقيقيةوالقضاء على نعرة التفرد بالحكم ، بينما في ليبيا واليمن وسوريا لا زال العامل الخارجي يعيق هدوء اﻷوضاع ورسوها على ميناء القوى الوطنية والديمقراطية