شـذرات من حياة المؤسس "فهد" / كمال يلدو

 على شرف العيد الثمانين:

 لا توجد كلمة واحدة توجز الحالة السياسية العراقية في العصر الراهن اقل من انها (حادة) في مسيرها وانعطافاتها، و(مدمرة) في نتائجها، تماما مثل فيضان دجلة او الفرات، يأتيان على الأخضر واليابس. هكذا عاش العراقيون  في الخمسين والستين سنة الأخيرة.  لقد جاء العهد الجمهوري وثورة 14 تموز، لتنسف من الجذور فترة العهد الملكي وآرشيفها ووثائقها وممتلكاتها، ثم جاء انقلاب شباط، لتلتهم النيران فيه اجمل ما يمكن من صور وذكريات وتحفيات، وهكذا عهد العارفين، حتى زمان (الجبهة) والأرسترخاء النسبي، فتليها حقبة الثمانينات والأرهاب والحرب، فتحرق كل ما تم جمعه من كتب وصور وذكريات. هكذا يبدو المشهد العام لمن يبحث فيه، اذ لا يوجد آرشيف وطني حقيقي (غير منحاز)، رسـمي كان  او حزبي او حتى شعبي، يحفظ  ســير القادة بصورة مهنية بعيدا عن المواقف المسبقة من الأشخاص او الأنظمة،  ورغم ان لكل قاعدة استثناء، فأن الارهاب جعل من هذا الأستثناء استثناءا ايضا.

 وجدت هذه "الشذرات" في بعض الوريقات التي تركها  السيد (خليل جموعة) قبل فترة وجيزة من رحيله، وقد تكرمت ابنته الغالية (طليعة جموعة) بتقديمها خدمة لما فيها من فائدة معنوية عن مرحلة، ربما تكون مهمة للبعض الذي يرغب بالغوص في الماضي، خاصة ونحن نترقب اطفاء الشمعة الثمانين من عمر هذا الحزب النضالي المجيد، فكيف اذا كانت بعض الشذرات عن مؤسسه، الشهيد فهد.

ولد السيد خليل منصور جموعة في العام 1917 في منطقة (صبابيغ الآل) الواقعة قرب منطقة (سوق الغزل ) والمدرسة الجعفرية، بمحاذاة شارع الجمهورية حاليا. نشأ وترعرع في تلك الأحياء، وأكثر ما اشتهر فيه (هو وأخوته الأربعة) كان معمل العطور والروائح ، وذاع صيتهم منذ الأربعينان ب (جموعة اخوان)، وكان محلهم ، والمعمل  يقع في عكد النصارى بالقرب من الكنيسة الكبيرة (كنيسة ام الأحزان).

تمر السنين، ويعتزل العمل بعد بلوغه سن التقاعد، تفترق عائلته بحكم الزيجات وأحوال العراق، ثم يضطر لمغادرته الى الولايات المتحدة والألتحاق بهم هو وزوجته (شـيرين كوتاني) في العام 1995. قضى عدة سنوات سعيدا بأعادة لم شمل العائلة، ومداعبا لأحفاده الذين كبروا. ومع تقادم العمر، تبداء علامات التعب والأرهاق تأخذ طريقها ليس الى الجسد فقط، بل وتغزو روحه وعقله، فتقترح عليه حفيدته (مونا) ان يبداء بكتابة بعضا من ذكرياته، تعليلا للنفس ، فيمتثل لذلك، ويبداء فعلا بالمشروع، لكن سرعة انقضاض المرض لم تمهله ليصل النهاية. يرحل الأستاذ جموعة في العانم 2009.

 يذكر السيد خليل جموعة عن اول لقائه بيوسف سلمان يوسف:" كان ذلك في اواسط الثلاثينات في بغداد حيث كنت عاملا اتدرب  في كراج لتصليح السيارات، فدار بيننا الكلام وتعارفنا، ولم اعلم ان كان قد جاء للعمل ام بزيارة لصاحب الورشة، لم التقه بعدها، عرفت  لاحقا بأنه التحق بمدرسة الكومنترن في الأتحاد السوفيتي، ثم عاد للبصرة . وتمر السنين، ويأتي يوما الى معملنا ، والذي صار في اوائل الأربعينات ملتقى للكثير من المثقفين (الأفندية)، اضافة الى خليط من الباعة والتجار. التقيته هناك وتذكرته جيدا".

ويسترسل بالقول:" في بداية الأربعينات، كان محلنا مركز جذب الشخصيات الوطنية، خاصة تلك القريبة من جريدة "الأهالي"، كان من بينهم الأستاذ حسين جميل، والأستاذ كامل الجادرجي وبعض المقربين اليهم من ذوي الآتجاه اليساري امثال عبد الفتاح ابراهيم وعبدلله اسماعيل والذي صاروا لاحقا الخميرة والبذرة الأولى لتشكيل الحزب الوطني الديمقراطي.  وبكملة مختصرة فأن محلنا  صار مشهورا بميوله اليسارية والديمقراطية، لهذا صار مهما مراقبته من قبل مديرية التحقيقات الجنائية، لكن ما ساعدنا كان، تنوع زبائننا، من تجار الشورجة الى باعة جوالين، الى زوار من المحافظات، فساهمت  في تخفيف حدة المراقبة لاحقا.

 "التقينا مع يوسف سلمان يوسف في اوائل الأربعينات، اثناء انتقاله  لبغداد، وكانت حينذاك (حسب علمي) خالية من نشاط الحزب الشيوعي، ربما  بعد الضربة التي تعرض لها أثر اعتقال وتشريد اهم قادته، وأعتزال بعضهم للعمل الحزبي، لكن كانت هناك بعض التكتلات التي ظهرت اواخر الثلاثينات، وكانت نشطة في تثقيف افرادها ضمن حلقات ، او اللقاء لتبادل الآراء او حتى جمع بعض المعونات للمساعدة فيما بينهم، وللحق اقول بأني كنت نشطا في احداها، وأقوم بأدارتها، وكانت تضم اعضاء لهم وزنهم الثقافي والمبدئي، وكانت رغبتهم تنصب على دراسة الفكر الماركسي ودعم حركته، وكان من بين اعضائها، عبدلله اسماعيل البستاني، عبدالملك عبد اللطيف، نوري وفريد ضياء محمود، فاضل حسين وغريب القروي، حيث كانت نشطة في جمع الكتب والمجلات والنشرات الماركسية، وكنا نقوم بترجمة بعضها، فيما كان غريب القروي يقوم بطباعتها لتسهيل نشرها فيما بين الأعضاء".

" لقد كانت نقاشات الصالونات الثقافية، والحفلات، سائدة بين افراد تلك الفئة المثقفة، هذا اضافة الى بعض الأشخاص المتحمسين لتشكيل تكتل  أوحزب شيوعي، وربما يكون اسم السيد – نوري روفائيل – اكثر الشخصيات نشاطا في أخذ المبادرة آنذاك، وعلمت بأنه كان على اتصال مباشر بالسيد يوسف اسماعيل، المتبحر بالعلوم الماركسية اللينينية، والمرتبط بالحزب الشيوعي الفرنسي".

"اعتقد، ان ظهوره (فهد) في بغداد كان  رغبة منه للوقوف على ما يجري فيها من تحركات، وصار مهما له ان يقترب من هذه الحلقات الثقافية ودون ان يترك مجالا للشك او الريبة. في تلك الفترة  ظهرت انشطة اخرى تزعمها السيد عبدلله مسعود القرني، ولقد كانت له قدرة عظيمة في النشاط والكلام، كانت تمكنه من السيطرة على مشاعر المستمعين، جراء ثقافته وحسن تعامله مع الناس. ارتبطا سوية (هو وفهد) وتمكنا من تشكيل الحزب رسميا، وأصدروا بعئذ جريدة (الشرارة)".

"اقتربنا كثيرا انا و (فهد) لابل اني تأثرت  بأسلوبه في النقاش والمحاججة لدرجة اني صرت اقلده دون ان ادري، هذا التقارب ساعدني لمعرفته اكثر، فقد فسّر لي الكثير من المصاعب والمطبات السياسية التي مرت عليه وعالجها، وشرح لي كيف انه وفي بداية حياته السياسية كان متأثرا بالزعيم الوطني جعفر ابو التمن ويقيم احتراما كبيرا لحزبه، فقد كان فهد مشبعا بالروح الوطنية".

 "ان مجيئ (فهد) اليومي الى محل "جموعة اخوان" تحول بمرور الوقت الى عمل، فقد اسدى لنا خدمة كبيرة، اذ كان حضوره يمتد من الصباح وحتى المساء، وكان يعمل بجد. اذكر انه ساعدنا بشكل كبير  آنذاك في عمل اصباغ الطائرات، الذي طلبته منا السلطات البريطانية، ذلك لطلاء طائراتها اثناء الحرب العظمى، فقد اتقن هذه العملية الكيمائية (البدائية) الصعبة وبرع فيها. كل هذا كان يقدمه، ورفض ان يتقبل محلها اية اجور تذكر".

"بعد انتهاء عملنا، كنا نذهب سـوية الى دارنا في منطقة "صبابيغ الآل".  لقد كان ليوسف سلمان منزلة خاصة عند المرحومة أمي (لطيفة ميـّو) ، والتي لم تكن تعرف ماهية الشيوعية، ولم ترغب بالسياسين اصلا، لكنه كان يتقن ارضاء كبار السن، والتودد اليهم، لدرجة انها كانت تسأل عليه اذا لم يأت يوما ويزورها بعد العمل. لقد كانت ترتاح كثيرا لحضوره، وتعد له افخر انواع الشاي، فقد كان يشربه باستمرار، ليل نهار، وكان نادرا ما يأكل معنا، على ان غذائه كان الشاي فقط!".

"ليوسف سلمان شـخصية بسيطة وغير معقدة، اما ملامح وجهه فهي صلبة ولا تتغير بسرعة. لا تشعر عند التحدث معه بأنه راض ام ممتعض، او غير موافق على الكلام، بسبب من تركيبة  تقاطيع ومسامات وجهه، التي توهــم الآخرين، فيكون من الصعب حقا معرفة ردود افعاله الحقيقية. وأرتبط ذلك بعيونه التي كانت غائرة، وبأهداب عيونه غير الواضحة، لذلك لم يكن سهلا للمتكلم معه ان يلم في معرفة علائم وجهه الا اذا هو اراد ذلك. فأذا اراد ان يشعرك بسروره، فأن ابتسامته كانت منشرحة ومفرحة بشكل يسـّر المقابل كثيرا، اما  اذا اراد ان يتجهم فلا يمكنك معرفة ذلك، لأن ملامح وجهه لا تتبدل.  لم تكن ملامحه تتبدل كثيرا في نقاش اكثر المواضيع اختلافا او سخونة، ولم يكن عصبي المزاج في النقاش، بل كان هادئا، الا ان صوته احيانا كان (يثخن) ويتحول الى صوت جهوري، وبرفـّة قوية. اما حججه في النقاش فقد كانت مقنعة ومرضية نتيجة لما كان يملكه من معرفة وثقافة وقصص كانت تعينه كثيرا في تقبل نقاشه وأفكاره من الآخرين. لقد كان جادا في مجمل تفاصيل حياته، اما جل اهتمامه  فكان منصبا على الشأن العام، وكان اذا فتح النقاش فأنه يعمل كل جهده لتوجيهه نحو المصلحة العامة، حتى نكاته وأحاديثنا حول مائدة الطعام كانت تنصب على الشأن العام".

 

ينهي المرحوم – خليل جموعة – كتاباته وأسطره عن "فهد" بالأسطر التالية:

"تفرقنا الأيام، ويذهب كل منا الى صوبه والى مفردات وتفصيلات حياته. انقطعت اخباره بالمرة. وحينما كنت ادرس في الصف الثاني بكلية التجارة، سمعت بأن (فهد) قد اعدم، تألمت لهذا الخبر المحزن، فقد كنت قد عرفته وتعاملت معه، وكان انسانا وطنيا طيبا ولا يستحق هذا المصير".

 

كمال يلدو

نيسـان 2014