أشبه بفيلم كارتون  / عبدالمنعم الاعسم 

مناقشات قانون الانتخابات تكشف عن فجوة عميقة في العملية السياسية اكثرر مما يتصوره العقل، وحتى الخيال. انهم يخفون انانياتهم طي الكلام عن الشفافية والعدالة والاصلاح، ويذهبون الى تحويل المناقشات الى فوازير تصلح لافلام الكارتون اكثر من أي شيء آخر. فما الفرق بين القانون الجديد قيد الجدل، وبين القانون القديم المنبوذ؟ المهم، ما يتسرب من زلات اللسان، ان المواطن في واد والخلافات المطروحة بين الفرقاء في واد آخر، حتى ان الجبنة التي يتقاتلون عليها سيجدونها قد تعفنت في نهاية المطاف.

 

 هذه السجالات وقبلها موضوع قانون الاحزاب، وقبل ذلك، ملف الاستجوابات، ومحاربة الفساد، ومناصب الوزارات الامنية، تدور وتدور وتدور ثم ترجع الى نقطة البداية، ثم تنام، وهكذا اصبحت صالحة للكتابة الكوميدية عن احوال السياسة في العراق، وقل مادة مثيرة لفيلم كارتوني مسلّ نتابع امتع مقدماته  ومفاجآته في الحديث عن تحالفات بين خصوم الامس، وطلاقات بين زيجات البارحة، الامر الذي يضع بين يدي كاتب النصوص مادة وفيرة، فسيعثر على كنز ثمين من المفارقات ولقطات المتعة والطرائف والمغامرات، واضطراب الاقدار والحظوظ، وتداخل العناد بالاستفراد بادعاءات القوة الفارغة والفضيلة الزائفة، واستعراض العضلات، مما يستهوي الاطفال ويحملهم على الالتصاق إزاء الشاشات الملونة وعيونهم مفتوحة على وسعها.

 ويمكن لفيلم الكارتون المقترح هذا، ان يجري مجرى المسلسلات التركية المدبلجة الباذخة من حيث غزارة الدموع وقصر التنانير، وفخامة صالات الاستقبال، ووجود اكثر من بطل يجلب الشفقة، لكي يتوزع الاطفال المشاهدين عليهم ويصفقوا لاي واحد يكسب جولة في التنافس، كما يمكن لهذا الفيلم ان يحاكي قصص ارسين لوبين من حيث احتشاده بالبطولات الفارغة والصفقات المفضوحة والتحالفات الفاشلة والنداءات الفضفاضة، وكلها في الاخير تقع في حبائل رجل الشرطة الذي لا يقهر، ولا يقلل من شأن هذه الافكار الكبيرة ان تحملها طيور صغيرة مشاكسة او حيوانات منزلية اليفة، فالصغار المولعون بمثل هذه الافلام يحبذون القطط والعصافير والفئران التي تناقش قضايا كبيرة تهم مصائر بني جلدتها.

 ويستطيع المؤلف الحاذق ان يستخدم تأثيرات صوتية من النوع الذي يجيّش عواطف الصغار. طبول. زعيق خفيف. حفيف اشجار. رعد. وذلك من خلال سيناريو يأخذ بالاعتبار الابعاد المكانية للحدث، مع مراعاة الحبكة والاقناع واللقطات المقربة في ثيمة الفيلم الذي يراد له ان يهيئ الاطفال الى النوم من غير كوابيس.
 ويحسن بكاتب السيناريو ان يركز على الهدف الذي تتصارع عليه، وتتسابق نحوه، جحافل القطط والفئران والطيور، وان لا يثقل رؤوس الصغار المشاهدين بالمقولات الفلسفية مثل السيادي والسيادية، او الوطن والوطنية، او المصطلحات الدستورية مثل الاستحقاق والفراغ، فان مكانة الفلسفة قد تراجعت، وسمعة الدستور قد تردت، وقد يجد بدائل عنها في اغان خفيفة لجوقة من الزرازير تردد اغنية “اللي شبكنا يخلصنا” بصوت كورالي منعش.
 

في احد افلام الكارتون الامريكية كان الهدف هو “جبنة” أخفيت طي سلة ملابس قديمة، فيما يبحث عنها اثنان من القطط كانا يعتزمان العثور عليها ويتسابقان اليها ليستأثران بها، وطوال وقت العرض يقدم مخرج ومؤلف وسيناريست الفيلم مشاهد شيقة، كان آخرها العثور على الجبنة وقد تعفنت.

*******

"البلبل لا يبني عشا في القفص حتى لا يورث العبودية لفراخه".

جبران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقال نشر في وقت واحد في صحيفتي (الاتحاد) و (طريق الشعب) بعنوان (كوميديا)