
بلاد منزوعة الكرامة /علي بداي
تعجب الياباني "نوبواكي نوتوهارا" من أن الناس في بلداننا لا يشعرون بأي مسؤولية تجاه السجناء السياسيين، الافراد الشجعان الذين ضحوا من أجل الشعب، ويتصرفون مع قضية السجين السياسي على انها قضية فردية. فأسرة السجين والمقربون منه ، يتوجب عليهم وحدهم مواجهة تبعات مواقفه السياسية (وهي عملياً تبعات مقارعة دولة بكاملها) رغم كون هذه المواقف، والسجن، وربما فقدان الحياة كلها نتائج لدفاع السجين عن غيره لا عن نفسه. ويستغرب "نوتوهارا" هذا التصرف ويرى في هذه السلبية الاجتماعية أخطر مظاهر عدم الشعور بالمسؤولية.
لا أعرف كم منا قرأ كتاب " نوتوهارا" هذا ، ولاأدري وقع هذا الكتاب، المليئ بالإدانة المؤدبة لمخازي حياتنا الاجتماعية،على مؤسسات التعليم والتربية والمجتمع ، لكن الإستقبال الباهت الذي إستقبل به الكتاب، يشير كما هي العادة الى إحساس مؤسساتنا بالخجل من الوقوف عارية أمام المرآة فتوارت مرتكنة لحقيقة تراجع عدد القراء الى حد لايشكل فيه أي كتاب أي خطر مهما كانت خطورته. ورغم أن " نوتوهارا" يتحدث عن العرب الا أن كتابه يتحدث عنا كلنا نحن الشاربين من نبع التخلف والقيم العشائرية والإستبدادية بلا إستثناء ، بل أن ماكتبه يصح علينا نحن أهل العراق قبل غيرنا . نحن الذين فصلونا "هم" عن بعضنا قومياً، ثم طائفياً فأضحى العربي لاعلاقة له بتضحيات الكردي وبالعكس، والسني لا يكترث بنضال الشيعي وبالعكس، وبعد ذاك بدأوا بنا تقتيلا...كلٌ بمكانه.
وماجرى قبل أيام، من إستفراد مجموعة أنذال من العصابات الحاكمة في بلادنا بشاب متمرد، فقير لكنه أبي النفس هو "كاوه كرمياني" ، لهو دليل على أننا نعيش في غابة لا قانون يضبط الحياة فيها غير أن يكون كل من ساكنيها متأهباً للقتال في كل لحظة. أما ماتبع الإغتيال من ردود فعل باهتة، وتنصل مخجل من عائدية الشاب الشهيد لجهات سياسية كان يعمل في صحافتها فيدل على أزمة أخلاقية عميقة يعيشها المجتمع برمته ومؤسساته السياسية خاصة..أن مجتمعاً حياً كان سيخُرج ملايين المتظاهرين الشاكين يومياً من الفساد والفاسدين إحتجاجاً على إغتيال من دافع عنه فأين هم هؤلاء ؟ وأين هي الأحزاب المدعية تصديها للفساد ولإستهتار أحزاب العشائر؟ أين هي منظمات المجتمع المدني ؟ أين هي الفضائيات الباحثة عن " الحقيقة" والمتمترسة خلف شعارات " الأغلبية الصامتة" و" صوت من لاصوت له" " وحين يمنعك الآخرون من الكلام" و " الحقيقة بلا رتوش" ؟
أخلاقياً ، كان ينبغي ،حتى لو لم يكن "كاوه كرمياني" يسارياً منظماً تبني شهادته كشهادة عضو في الحزب الشيوعي (فهل تخلى الحزب الشيوعي الأسباني عن لوركا وهو الشاعر الشعبي غير السياسي؟ ) خاصة وأن كرمياني هو الصحفي الذي فضح عصابات النهب وأدان مجرمي بشت ئاشان والإقتتال الداخلي بلا تردد ، فكيف سيحترم المجتمع حزباً يتخلى عن مناضلين من أمثاله ؟ والتبني الذي أعنيه أن يجعل الحزب من الإعتداء على حياة "كاوه كرمياني " إعتداءً على كل كيان الحزب فيستنفر قواه كاملة ويكشف للناس عن وجهه المعارض لنهب البلاد وإستهتار الحكام في بلاد تأمل من الانتخابات القادمة أن تغير من معالم اللوحة القاتمة، لا أن يختبئ خلف عبارات " الإدانة" و" الشجب" و" العدالة التي ستأخذ مجراها" و" اللجان البرلمانية المشكلة" ووووووو.
بعد أسبوعين سيولد طفل يتيم لأب يتيم ولأم يتيمة. أبو اليتيم شهيد ، أبو الأب الشهيد.. شهيد، أهل الأم شهداء قضوا في الأنفال فربتها عمتها، فهل يحق لنا بعد الآن الحديث عن قيم دين، وقيم قومية، وقيم إنسانية ننتمي اليها أو ؟ وهل هناك مجتمع منزوع الحياء والكرامة والشجاعة كمجتمعنا؟